محمد الرميحى يكتب: كثرة حرائق وقلة إطفائيين!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نقدم لكم أخر أخبار الساعة في المقال التالي:
محمد الرميحى يكتب: كثرة حرائق وقلة إطفائيين! نقلاً عن موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأحد 1 ديسمبر 2019 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ونحن نستعد لدخول عقد جديد ووداع عقد آخر اتصف بنسبة عالية من الصراع المجتمعى، يمكن بسهولة وصفه بالعقد العربى المضطرب، ماذا نتوقع فى المشهد العربى العام من أحداث فى عقد قادم؟ يمكن تلخيص ما سوف نراه بـ«كثرة الحرائق وقلة الإطفائيين». قلة الإطفائيين نابعة أساساً من نقص فى المناعة المعرفية لدى قطاع واسع من متخذى القرار، بالتأثيرات والتغيرات الاجتماعية الحاصلة فى بنية المجتمع العربى، نتيجة عدد كبير من المدخلات المحلية والعالمية.

العقد الماضى لم يكن سهلاً، فقد شهد أوله عدداً من التغيرات الجذرية فى عدد من البلدان العربية، شكلت انقلاباً على السائد والمتوقع، أثرت بشكل أو بآخر على مجمل مجتمعات الإقليم، وحددت أولوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعقد كامل، بدأت بحملات شعبية قصيرة وسريعة فى كل من تونس ومصر وليبيا، كما أصبحت سوريا هى مكان «التردى السياسى بامتياز» طوال العقد، فهى لم تقتِّل وتقهر مواطنيها، بل فقدت حتى سيادتها، وانتهى العقد الطويل بأعمال سياسية ومطلبية شيمتها الاستمرار والتطويل الزمنى، كما حدث فى السودان، ويحدث فى كل من الجزائر ولبنان والعراق واليمن وتونس، بل حتى إيران.

لقد كان هناك نقص فادح فى فهم الأحداث من النخب العربية مع مطلع القرن، حيث لم تعرف كيف تقرأ المشهد الاجتماعى المتحول، والتغيير الجذرى الحادث فى النسيج الاجتماعى الوطنى، وتعاملت بخفة مع التغيرات البنيوية والثقافية الحاصلة.

وحتى يمكن فهم ديناميات ذلك التغيير، نستعير على سبيل المثال لا الحصر مثالاً من تجربة غربية حدثت فى فرنسا، فقد هُزمت الأخيرة من قبل روسيا بعد حرب ضروس، فقدت فيها عشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين فى بداية القرن التاسع عشر، بعد أن كانت منتصرة، وتنبه أحد المتمولين الفرنسيين إلى أن الهزيمة التى مُنيت بها فرنسا حتى بعد أن وصلت جيوشها إلى موسكو، ليست بسبب نقص فى العدة أو العتاد، ولكن بسبب نقص فادح فى معرفة المجتمع الآخر، وبناء قرارات مصيرية قائمة على أهواء، دون تبصر بتاريخ العدو أو جغرافيته أو ثقافته، فقرر أن يُنشئ معهداً تتعلم فيه النخبة الفرنسية فنون السياسة والعلاقات الدولية، على قاعدة الفهم المجتمعى، لأنه خميرة السياسة ومفتاحها، وتحول ذلك المعهد لاحقاً إلى ما يعرف اليوم بجامعة «سيانس بو» المدرسة الشهيرة التى خرّجت أفضل سياسيى فرنسا فى العصر الحديث، حيث تؤهلهم لمعرفة مجتمعهم والمجتمعات الأخرى على منهج علمى.

فى بداية العقد، ظنت بعض القوى فى المجتمع العربى أن بإمكانها تقديم مشروع ينظر إلى الماضى، كان حبيساً طوال ثلاثة أرباع القرن. لخص ذلك المشروع فى تجربة حكم «الإخوان» فى مصر، ومحاولات أمثالهم فى السودان وفى تونس وفى ليبيا إلى حد أقل. فى تونس اتضح علناً التشبث بالماضى، عندما صرح أحد قادتهم وهو قادم تواً من المنفى، قائلاً: «سوف نقيم الولاية الراشدة السادسة». ذلك تصريح خيالى بدائى للسيد حمادى الجبالى، رئيس الوزراء الأول لحركة «النهضة»، (ديسمبر «كانون الأول» 2011 - مارس «آذار» 2013). ذاك فقط مثال، وليس حصراً للتفكير خارج القراءة المنطقية لتطور الشعوب، وتأثير علاقتها بالعالم، وما تتوق إلى أن تحققه فى المستقبل، كما أنه مفارق للزمن.

والمثال ينساق إلى حالة بعض القوى التى تقف فى «المنطقة المظلمة من الرؤية» فى كل من لبنان والعراق واليمن وحتى إيران، قوى التمسك بالماضى، ونفى القراءة الموضوعية للمجتمع، فهى لا تريد أن تقرأ الأحداث كما تتجلى على الأرض، وتتعظ بمسيرة التاريخ كما هو، ولكن تنظر إليه بشكل متخيل، فتلجأ إلى القمع الكلى لأى حركة شعبية تطالب بالتغيير وتطال امتيازاتها من جهة، وتقدم مصفوفة فكرية تعتمد على الخرافة وقراءة النصوص مجردة من سياقاتها ومن زمنها من جهة أخرى.

إذن معالم العقد القادم تتشكل أمامنا، وهى استمرار الاستخفاف بالقراءة الاجتماعية المطلوبة من النخب، والاحتيال على مطالب التغيير المتمثلة فى إقامة الدولة الوطنية المدنية العادلة، بمناورات سياسية محدودة، منها مشروعات تدعى «الثورية»، ومنها تغيير فى خريطة الانتخابات وقوانينها، ومنها الاستعانة بقوى خارجية كما يحدث فى سوريا ولبنان وليبيا، ومنها رعاية الطائفية وتنمرها على الدولة، إلا أن كل تلك الجهود التى تريد أن تقفز على متطلبات المرحلة والقراءة الاجتماعية الأعمق، سوف تجعل من استمرار الاضطراب فى فضائنا العربى أمراً ممكناً فى العقد القادم، فالمقدمات تقود إلى النتائج.

لابد من الاعتراف بصعوبة القراءة الاجتماعية فى فضائنا العربى، لأنها تمس شرائح المجتمع التى تحتفظ فى مخيلتها ببناء ثقافى شبه صلب، تغييره أو حتى الكتابة حوله يواجه مقاومة من تلك القوى الاجتماعية، التى ترى فى القراءة الاجتماعية الناقدة تهديداً لمكانتها.

آخر الكلام:

الواقع أننا بحاجة لقراءة مجتمعاتنا لفهم أعمق للأحداث، واستخدام العلوم الصعبة بفاعلية. فالبعض يقاومها، وآخر يشجبها، وثالث يستهزئ بها، لذلك تستمر الحرائق ويقل الإطفائيون.

نقلاً عن صحيفة «الشرق الأوسط»

نشكركم متابعين وزوار بوابة ميدان الأخبار على الثقة والتواجد، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل ( محمد الرميحى يكتب: كثرة حرائق وقلة إطفائيين! ), والمصدر هو المسئول عن ما ورد بالخبر.
المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق