يواكيم فرانك الفائز بـ«نوبل للكيمياء»: انتظروا ثورة في علاج السرطان (حوار)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نقدم لكم أخر أخبار الساعة في المقال التالي:
يواكيم فرانك الفائز بـ«نوبل للكيمياء»: انتظروا ثورة في علاج السرطان (حوار) نقلاً عن موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كان الجو ممطرًا فى تلك الليلة التى شهدت مولده، لا يزال الرجل يذكر تفاصيل الحكايات التى قُصت عليه فى طفولته المبكرة رغم مرور أكثر من 78 عامًا على روايتها.

مشهد منزل والديه المُطل على ضفاف نهر «سيج» الألمانى والذى تحيطه الطبيعة من جوانبه الأربعة.. وأصوات القصف التى تزامنت مع نهاية الحرب العالمية الثانية.. وتقسيم بلده الأصلى «ألمانيا» إلى شطرين.. وانتقاله للولايات المتحدة الأمريكية.. انهيار سور برلين الشهير.. وأحداث أخرى كثيرة مرت على الحياة المديدة للعالم الألمانى الأصل الأمريكى الجنسية «يواكيم فرانك» الحائز على جائزة نوبل فى الكيمياء العام الماضى.

فى حواره مع «المصرى اليوم» على هامش الاجتماع السنوى للفائزين بنوبل بمدينة «ليندوا» البافارية، يحكى «يواكيم» عن اكتشافه المثير، وفلسفته فى الحياة، وأثر أعماله فى مستقبل البشرية، وتأثير الجائزة على حياته الشخصية وتوقعاته لما سيحدث غدًا وبعد غدٍ فى عالمنا الفسيح.

■ حصلت على جائزة نوبل فى الكيمياء عام 2017 عن تطوير مجهر إلكترونى يعمل بالتجميد العميق واستخدامه فى تصوير الجزيئات الحيوية.. هل لك أن تبسط لنا ذلك الإنجاز؟

- قمت مع زملائى بتطوير تقنية جديدة كُليًا سمحت لنا بالكشف عن التفاعلات التى تحدث بين الجزيئات، قمنا بالعمل على تجميد الجزيئات والخلايا الحية وتصويرها أثناء تلك العملية باستخدام المجهر الإلكترونى، وهو ما سيتيح لنا دراسة تلك الخلايا بدقة، والتعرف على تفاصيلها، ومراحل تطورها ونموها.

حصلت على الجائزة بالتساوى مع زميلى السويسرى جاك ديبوكيت من جامعة لوزان، وزميلى البريطانى ريتشارد هاندرسون من مختبر علوم الأحياء الجزيئية بجامعة كامبريدج.

وفيما يتعلق بعملى؛ قمت بتطوير طريقة لتحويل الصور ثنائية الأبعاد الملتقطة للخلايا إلى صور مجسمة ثلاثية الأبعاد، وهو الأمر الذى أضفى وضوحًا فائقًا على التركيب الكيميائى للخلايا، فيما قام زملائى الذين شاطرونى الجائزة باستخدام أسلوب جديد كليًا لتفريغ الخلايا من الهواء، ينجم عن تلك العملية خفض ضغط الخلية للحد الأدنى بسبب تبخر المياه، فتتجمد الجزيئات داخلها وتتوقف عن الحركة بشكل لحظى، وفى تلك اللحظة، نلتقط صورة للتركيب الداخلى للخلية، وبإجراء تلك العملية مرارًا وتكرارًا فى الخلية الواحدة، ننتج مجموعة من الصور، نجرى عليها مجموعة من المقارنات باستخدام البرامج الحاسوبية المتقدمة، لالتقاط وفحص الأنماط المختلفة للخلية الواحدة مع مرور الزمن، وبالتالي؛ نرصد التغييرات التى تحدث خلال الفترة الزمنية للفحص، وهو ما يعطينا معلومات واسعة عن التفاعلات الخلوية وهياكل الجزيئات التى ظلت مجهولة لعقودِ كثيرة.

■ وكيف سيسهم ذلك الابتكار فى تحسين رؤية الخلايا عبر تصويرها بتقنية التجميد الفائق؟

- هناك العديد والعديد من الأمور التى يجهلها العلماء، وكلما حُلت معضلة؛ تظهر معضلة أخرى وأسئلة علمية جديدة تحتاج للمزيد من البحث، أحدها عن الغموض المحيط ببيولوجيا الجزيئات الحية، وكان التحدى الرئيسى فى دراسة الجزئيات هو عملية رصدها أثناء عملها داخل المنظومة الخلوية، وذلك الابتكار يُعد أداة لتحسين الدقة فى تصوير الجزيئات والخلايا.

كى نُسهل الأمر، علينا أن نتخيل طفلاً جالسًا أمام جهاز تلفاز عالى الوضوح HD، هذا الطفل مندمج فى تلك اللحظة حتى النخاع مع مشاهدة فيلم قديم أنتج فى منتصف عشرينيات القرن الماضى، يحتوى الفيلم على لقطات سريعة جدًا بالأبيض والأسود، اللقطات مهتزة وغير واضحة على الإطلاق، وفى لحظة معينة، ظهر على الشاشة فيلم ملون جرى تصويره بكاميرات عالية الوضوح، الآن؛ يستطيع الطفل مشاهدة كافة تفاصيل الفيلم، ألوان الأزهار والملابس وبشرة الأبطال على سبيل المثال، هذا سيعطيه معلومات أكثر، وسيكسبه معلومات عن الحكاية التى يقصها الفيلم، هذا هو ما فعلناه؛ ابتكارنا سيسهم فى رؤية التفاعلات على نحو أفضل، مشاهدة البنية الوظيفية للخلايا، التفاصيل الدقيقة لتفاعلاتها الداخلية وتفاعلاتها مع المحيط الخارجى.

مع كل صورة محسنة جديدة للهياكل البيولوجية المجهرية، سنفهم السحر الكامل وراء عمل البروتينات، وهو الأمر الذى سيفتخ لما الكثير من الأبواب المغلقة، أهمها على الإطلاق تمهيد الطرق لعلاجات محتملة أفضل لمجموعة من الأمراض الفتاكة، وفى مقدمتها السرطان.

■ وهل تتاح فى وقتنا الراهن التطبيقات العملية للمجهر الإلكترونى فائق البرودة؟

- إلى الآن لا يوجد تطبيق جاهز، قد تمر عدة سنوات قبل أن تتوافر تكنولوجيات التطبيق، لكن هناك إمكانيات هائلة لذلك المجهر، من ضمنها فهم طبيعة أى جزىء، ورؤيته، وفحص التغييرات التى تطرأ على شكله والتى ينجم عنها تغير فى وظيفته.

تُعد الأشعة السينية الطريقة الأكثر موثوقية لفحص البلورات والجزيئات، ساعدت تلك التقنيات علماء كُثر فى الماضى على الحصول على نحو من 12 جائزة نوبل، منها الجائزة التى ذهبت لفرانسيس كويك لاكتشافه تركيب الحمض النووى، لماذا علينا الثقة فى الطريقة التى ابتكرتها لتحديد بنية الجزيئات ■ وماذا عن الطريقة الفعالة التى تستخدم بالفعل إلى الآن فى عمليات الفحص؟

- الطريقة التى طورتها مع زملائى تختلف جذريًا على طريقة الفحص بالأشعة السينية، فالأخيرة تفحص البلورات، ولا تستطيع تصوير بعض مكونات الخلية، كالريبوسومات على سبيل المثال.

يعتمد المجهر الالكترونى على الالكترونات التى تنعكس عن كل ذرة مفردة فى البروتينات، ذلك الانعكاس يتم استقباله على أجهزة حساسة، ويُعطى صورة ثلاثية الأبعاد للبنى الداخلية للبروتين، نحن نتحدث هنا عن صورة واضحة للغاية على المستوى الذرى، لا يُمكن أن يحققها أبدًا التصوير باستخدام الأشعة السينية.

■ وهل استخدمت المجهر الإلكترونى فائق البرودة فى الكشف عن تفاصيل مجهولة لأى أمراض؟

- نعم.. قمت مع فريقى البحثى فى استخدام التقنية للكشف عن جوانب مجهولة فى مرض داء المثقبيات الأفريقى والمعروف بالنسبة للجمهور بمرض النوم، وهو مرض معقد وقاتل ينقل عن طريق ذبابة تسى تسى، وقد نجحت فى اكتشاف الطريقة الفريدة التى ينتقل بها الطفيلى من تلك الذبابة إلى البشر، وهو الأمر الذى قد يتسبب فى ظهور علاجات جديدة للمرض فى المستقبل القريب.

■ حسب منظمة الصحة العالمية، يُعد السرطان ثانى مُسببات الوفاة فى العالم، إذ يُصيب أكثر من 17 مليون حالة جديدة سنويًا.. كيف لتقنية تعتمد على رصد وتصوير الجزيئات أن تؤثر فى مسار العلاجات المحتملة للسرطان؟

- إن الأسلوب العلمى لحل المشكلات يبدأ بمعرفة الأزمة، فى حالة السرطان نعلم أن الوفيات تنجم عن النشاط المفرط لعملية انقسام الخلايا، لا نعرف على وجه الدقة كيف ولماذا ومتى تنقسم تلك الخلايا، ولا المسببات المؤكدة للإصابة بالأورام، ستسهم التقنية الجديدة فى توصيف أكثر شمولاً لتلك العمليات، عن طريق الرصد الدقيق للعمليات الحيوية داخل الخلية فى الوقت الحقيقى، ومشاهدة الجانب المظلم منها، ما سيتح الفرصة لفهم أفضل لطبيعة الانقسام، وبالتالى تصميم أدوية تستهدف وقف عملية ما، أو تسريع عملية أخرى، أو القضاء على الخلايا الورمية فى الأصل.

■ ما تقييمك للمسارات البحثية الحالية فى مجال علاجات السرطان؟

- جيدة للغاية.. نحن على الطرق.

■ وماذا عما سيحمله لنا المستقبل؟

- بخصوص علاجات السرطان أعتقد أن المستقبل مُبشر، هناك العديد من الأدوية المتاحة لأنواع معينة من السرطانات موجودة حاليًا، ومن الواضح أن المستقبل سيأتى لنا بمجموعات متنوعة أخرى تناسب جميع الحالات المرضية.

■ هل تستطيع إعطاء مدى زمنى محدد لابتكار دواء ناجع للسرطان؟

- لا.. ولكن أعتقد أن السنوات القليلة القادمة ستشهد ثورات متعددة فى الأدوية، خاصة أن هناك مسارات متوازية تبحث عن علاج، منها مسار العلاج المناعى، ومسار تقنيات العلاج الجينى، وأخرى خاصة بالأدوية التى تستهدف الخلايا الورمية على وجه الخصوص.

منذ عدة سنوات، بدأت مجموعات واسعة من الفرق البحثية حول العالم بدراسة البروتينات البشرية، ومحاولة عمل خرائط مُفصلة لها، أعتقد أن الأحجية تتعلق بتلك البروتينات، وأن حل لغز تفاعلها سيسهم فى القضاء على الأمراض فى المستقبل.

■ شهد علم الكيمياء مجموعة من التحولات التاريخية والنقاشات العديدة حول طبيعة المواد وطرق تفاعلها منذ قدماء المصريين وحتى منتصف القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم حدثت ثورة على يد لافوزييه حين صاغ قانون حفظ المادة.. كيف ترى مستقبل ذلك العلم؟

- الحقيقة أن الكيمياء تشعبت خلال القرن العشرين ولم تعد كما كانت عليه قبل ذلك القرن، هناك الكيمياء التحليلية والذرية والعضوية واللاعضوية وكيمياء الدواء والبيئة لتصبح علمًا شديد التعقيد.

رغم أننى حصلت على الجائزة فى مجال الكيمياء، غير أننى فى الأصل أعمل فى مجال الفيزياء الحيوية، وهو علم متعدد التخصصات يُغطى جميع مقاييس التنظيمات البيولوجية ويشترك مع الكيمياء الفيزيائية والهندسة الحيوية وبيولوجيا الأنظمة، أعتقد أن الكيمياء كعلم قام على التجربة سيتشعب مستقبلاً لينضم إلى علوم أخرى ويدمج بها وسيصبح كل فرع علمًا قائمًا بذاته ذو كينونة منفصلة تماما.

فى ضوء ما أتوقعه، ستتطلب الكيمياء فى المستقبل مستويات عالية من الإبداع العلمى لاستكشاف إمكانياتها غير المحدودة، وكما قال العالم الشهير «جيمس واتسون» فإن الحياة ببساطة مسألة كيمياء.

■ هل لديك تساؤل علمى تتمنى أن تحصل على إجابته خلال حياتك؟

- لدى العديد من التساؤلات، وأعتقد أن المستقبل لن يتمكن فى الإجابة عنها خلال حياتى على الأقل، من تلك التساؤلات: كيف تعمل خلايانا على وجه الدقة؟ ما هى العوامل المؤثرة على الدماغ البشرى؟ من نحن على وجه التحديد؟!

■ وهل ترى أن تلك التساؤلات سيجيب عنها العلم فى المستقبل البعيد؟

- لا أعلم.. ولكن كل يوم تفتح لنا فجوة فى جدار الغموض ينفذ منها شعاع من الضوء ينير لنا ركنا فى لغز الوجود.. لكن للأسف، عدد الجدران يكاد يكون لا نهائيا، وكما أجبنا عن تساؤل يظهر عشرات التساؤلات الأخرى، دائرة مفرغة لن نتمكن من الخروج منها.

■ هناك العديد من المخاوف الأخلاقية المتعلقة باستخدام تقنيات التعديل الجينى فى علاج الأمراض المختلفة ومن ضمنها السرطان، إذ يُمكن أن تسفر محاولات تغييرات الجينات عن طفرات يُجهل آثارها على المدى الطويل على البشر.. هل ترى تلك المخاوف قد تكون رادعة للأبحاث من ذلك النوع؟

- لا أتوقع أن تمنع تلك المخاوف الاستمرار فى الأبحاث، ولا ابتكار تقنيات جديدة قد ينجم عنها شفاء الناس من الأمراض ذات الأساس الجينى، الآن يعمل العلماء على تطوير تقنية «كريسبر كاس 9» لجعلها أكثر دقة فى تنفيذ مهام التعديل الجينى، وقد نجح الباحثون مؤخرًا بالفعل فى استنباط أدوات جديدة يُمكن أن تساهم فى جعل التقنية أكثر فاعلية وأمنا.

لكن وفى ضوء التطورات العلمية الأخيرة، يجب أن تقاس بدقة التأثيرات بعيدة المدى المترتبة على استخدامها بالنسبة للمجتمع والصحة العامة، كما يجب وضع مجموعة من ضوابط استخدام تلك التقنيات على البشر، وتوحيد نموذج عام لأخلاقيات البيولوجيا يسرى على جميع الباحثين، حيث أن الممارسات المتعلقة بالتعديل الجينى عابرة للحدود.

وفى كل الأحوال، يجب على العلماء احترام الكرامة الإنسانية، لكن من الكرامة أيضًا السعى الدءوب لإيجاد وسائل أكثر حداثة تُقدم حلولاً جذرية لمشكلات الأمراض المستعصية على الحل.

■ كيف تلقيت خبر حصولك على جائزة نوبل؟

- كنت نائمًا، استيقظت على رنين هاتفى المحمول، جاءنى صوت من الطرف الآخر يعرف نفسه: أنا جوران هانسن، علمت أننى حصلت على نوبل قبل أن يقولها، جوران لا يتصل فى ذلك التوقيت إلا لإبلاغ الفائزين. أنا فى العادة لا أستيقظ بسبب مكالمة مثل تلك، يُوقظنى كلبى فى الغالب.

■ وماذا فعلت حين عرفت الأمر؟

- قفزت من السرير، استيقظت زوجتى، قلت لها الخبر، وبدأت فى تلقى سيل من المكالمات للتهنئة.

المصري اليوم تحاور يواكيم فرانك الفائز بجائزة نوبل للكيمياء 2017

■ وكيف غير حصولك على نوبل من حياتك الشخصية؟

- أصبحت دائم السفر، يتم دعوتى إلى المؤتمرات العلمية، لكن أهم ما تغير هو أن الناس أصبحوا يسمعوننى دون مقاطعة، يمكننى أن أتكلم لمدة ساعة كاملة دون أن يقاطعنى أحد، هذا إنجاز.

■ بعد الحصول على نوبل يُصبح الفائز مشغولاً على الدوام.. هل أثر ذلك فى علاقتك بزوجتك؟

- فى البدء تخوفت زوجتى من تلك الجائزة، لكننى وبعد أن تخطيت صدمة الحصول عليها، بدأت فى التخطيط معها للمستقبل، كانت هناك العديد من المشكلات التى حلتها القيمة المالية للجائزة، منها على سبيل المثال تمويل أماكن الإقامة للكلب، الحقيقة أن الكلب واحد من المستفيدين الكبار بقيمة تلك الجائزة.

أملك كلبًا فى منزلى، أعتنى به جيدًا، يحتاج ذلك الكلب إلى مرافق على الدوام، لذا؛ حين كنت أسافر كانت مهمة زوجتى الأساسية الجلوس مع الكلب فى المنزل، والعكس صحيح، حيث إن إرسال الحيوانات الأليفة لأماكن عناية خاصة أثناء سفر أصحابها يكلف الكثير من المال، الآن؛ نحن لا نقلق بشأن المال، مستقبلنا مؤمن، ومستقبل الكلب أيضًا.

على كل حال، تجربتى مع جائزة نوبل لا تزال فى بدايتها، حصلت على التكريم فقط منذ نحو 8 أشهر، لذا؛ أمامى الكثير والكثير لأعرفه، منذ الحصول على الجائزة لم أنجز الكثير، كما هو الحال مع زملائى الحاصلين على نفس الجائزة، نسافر كثيرا ونعمل قليلا. أحتاج إلى تعديل توقعاتى وإعادة النظر فى أهدافى، هذه عملية بطيئة تستلزم الكثير من الوقت.

هل لديك أبناء؟

- لدى ابنة.. تعتنى هى الأخرى بقطتين، لذا لا أستطيع أن أجعلها تهتم بكلبى.

■ معظم الحاصلين على نوبل لم يتوقعوا يومًا الحصول عليها.. فماذا عنك؟

- فى بدايات عام 1985 حين أدركت أن هناك وسيلة لتصوير الجزيئات بشكل ثلاثى الأبعاد، توقعت أن تكون هناك ترشيحات، كنت آمل أن يتم الاعتراف بهذا الإنجاز، وهذا ما حدث.

■ وما العقبات التى واجهتك فى الطريق؟

- وجدت صعوبة بالغة فى إقناع الآخرين بطريقة التصوير الجديدة، زملائى ورؤسائى ومحررو المجلات العلمية والمراجعون قالوا لى إن ذلك النهج ليس له جدوى تذكر، قوبلت بالسخرية والاستهجان لمدة تصل إلى 10 سنوات، من عام 1975 وحتى 1986 كنت موضع شكوك، وفى النهاية ذكرت لجنة نوبل أن إنجازى فى تلك الفترة هو الأهم.

■ وكيف تغلبت على تلك العقبات؟

- بالمثابرة والعناد.

■ هل تخطط للتقاعد؟

- ولماذا أتقاعد.. أنا أستمتع، وأحب ما أفعله.

■ يُقال إن الفائزين بالجائزة يفقدون حماسهم تجاه العلم كونهم حصلوا على أرفع تقدير.. هل ترى ذلك؟

- هذا يعتمد على الفائز، أمر شخصى بكل تأكيد، خصوصًا أن الجائزة تُمنح فى متوسط عمر يزيد على 65 عاماً، بعض الفائزين يتفرغون بشكل كامل للزيارات وإلقاء المحاضرات، وبعضهم يفضل التقاعد، بالنسبة لى لا أخطط للتقاعد فى الوقت الحالى، لكننى مشغول بطبيعة الحال فى الاجتماعات، صدى الجائزة التى منحت لى قبل شهور قليلة فقط لا يزال يتردد، ولن يصمت إلا فى أكتوبر القادم، حين يُعلن فوز أشخاص آخرين.

■ عودة إلى البدايات.. ما الذى حفز شغفك تجاه العلوم؟

- كنت مفتونًا بالطبيعة منذ الصغر، لطالما تساءلت عن كل الأشياء فى بيئتى المحيطة، حاولت التعرف على خصائص المواد، وبدأت إجراء التجارب فى شرفة منزل والدى فى ألمانيا، لم يكن عمرى قد تخطى الثمانية حين بدأت فى إشعال النيران تحت الشرفة لمشاهدة نواتج احتراق المواد وفحصها، استمر شغفى، وبدأ فى الازدياد، حتى التحقت بجامعة فرايبرج الألمانية لدراسة الفيزياء، ومنها إلى عدد أخر من الجامعات لإكمال الدراسة والتعلم والمشاهدات والملاحظات والتى يبدو أنها لن تنتهى جميعًا إلا مع أنفاسى الأخيرة.

■ وهل كنت ترغب منذ صغرك أن تصبح عالمًا؟

- نعم.. حين سألنى أستاذى فى المرحلة الابتدائية عن المهنة التى أحب أن أعمل بها قلت له أحب دراسة المواد.

■ هل لديك مثل أعلى؟

- بالطبع.. إرنست راذفورد مكتشف نواة الذرة، لطالما ألهمنى هذا الرجل على طول الطريق، اكتشف نواة الذرة ووضع أساس عمليات الإشعاع، منجزه الفريد ساعدنى كثيرًا فى تطوير الميكروسكوب الإلكترونى.

أيضًا هناك مارى كورى، السيدة الوحيدة التى حصلت على جائزتى نوبل فى مجالين مختلفين، فى الكيمياء والفيزياء، تمكنت مارى من اكتشاف عناصر جديدة، ووضعت قواعد لعملية الاضمحلال الإشعاعى، ولولالها ما كان العالم على ما هو عليه اليوم.

أرى أن اتخاذ النماذج الموهوبة قدوة أمر صحى.. فإنسان بلا قدوة تهديه الطريق السليم لا يستطيع تحقيق أى إنجاز طوال حياته فى الغالب.

■ هل لديك أى هوايات بعيدة عن مجال عملك؟

- بالطبع.. أهوى التصوير الفوتوغرافى، ربما لا يكون الأمر بعيدًا بالفعل، فتصوير المشاهد الطبيعية يُشبه تصوير الجزيئات الحيوية على نحو ما. أحب أيضًا كتابة الشعر.

■ الشعر! يعتقد البعض طيلة الوقت أن العلماء لا يهتمون بالآداب والفنون وأن حياتهم وهبت للبحث العلمى الجاد والرصين؟

- وهل الفنون والآداب هوايات غير رصينة! كان أينشتاين يهوى العزف على الكمنجة، والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، الباحث العلمى إنسان فى الأساس، ومن الطبيعى أن يكون له هوايات، أعرف زملاء يحبون لعب كرة القدم، أو الجولف، أو السباحة، العلماء كسائر البشر؛ ومعظم البشر لديهم مهنة ما وهواية ما.

المصري اليوم تحاور يواكيم فرانك الفائز بجائزة نوبل للكيمياء 2017

■ كيف ترى علاقة العلوم والمجتمع؟

- علاقة معقدة للغاية.. تتطور باستمرار. مرت تلك العلاقة بأزمات حادة فى الماضى، محاكم التفتيش على سبيل المثال، حرق المجلدات العلمية والفلسفية، وصلت تلك العلاقة إلى قمة تدهورها فى منتصف القرن السابع عشر، ثم جاء القرن التاسع عشر ليضع حدًا لتلك الأزمة.

العلم يعصف بكل دعائم اليقين، هو منهج قائم على الشك والاحتمال، ثورة تُحدث أثار اجتماعية هائلة، نسق يتكون من مجموعة من البنى؛ المنطق والتنظيم والاقتصاد والتعلم والإدارة. الآن؛ أصبح العلم مُعقدا يحتاج إلى نوع من أنواع المؤسسية لجمع تلك البنى تحت هدف واحد هو الارتقاء بمنظومة الحياة البشرية.

■ لكن.. هناك أناس فى المجتمع لا يؤمنون بأهمية العلم.. بل يحاربون الاستنتاجات القائمة على الدليل، بعضهم لا يزال يؤمن أن الأرض مُسطحة، أو أن التطور خرافة، كيف ترى هؤلاء الناس؟

- كل شخص يملك الحرية الكافية للإيمان بما يعتقده. بطبيعة الحال البشر الذين يعتمدون على خلفياتهم الايدولوجية والحقائق الراسخة المتوارثة لن يؤثروا على مسار العلم بكل تأكيد، فى النهاية؛ يمضى العلم للأمام ولا يلتفت إلا للآراء المدعمة بالأدلة.

انظر للأسماء التى خلدها التاريخ، نيوتن وجاليليو وكوبرنيكوس وغيرهم، لن تستطيع تذكر اسم قاضى محكمة التفتيش الذى أرغم جاليليو على نبذ معتقده العلمى، لكن بسهولة تستطيع معرفة كل شىء عن جاليليو وتذكر إنجازه العلمى العظيم.

التطور حقيقة مؤكدة إلى الآن، تدعمها الأدلة العلمية غير القابلة للدحض حتى وقتنا الحالى، لا يعلم الناس كل الحقائق عن نظرية التطور، والحقيقة أن هناك تقصيرا لا يستهان به من العلماء الذين قصروا فى نشر الأفكار العلمية فى المجتمع، فى حين ينشط ناكروا الحقائق، ولا يتورعون عن نشر الزيف والجهل والادعاء.

■ وكيف يُمكن للناس معرفة أهمية العلوم فى حياتهم الشخصية، خصوصًا مع التعقيد الهائل الذى يكتنف كافة الجوانب العلمية فى الوقت الحالى وصعوبة فهم الأبحاث فى مجال العلوم الأساسية؟

- بالقراءة، والمشاهدة والتعلم من الماضى. لا يُمكن أن أطالب الأشخاص العاديين بقراءة الدوريات العلمية المتخصصة، لكن؛ وبكل تأكيد، استطيع أن أطالبهم بالوثوق إلى حد ما فى المنهج العلمى، دعنا ننظر حولنا لنرى أثر العلم فى كل الأمور، السيارة كانت نتاج تطوير محرك احتراق داخلى استخدم القوانين الأساسية فى الكيمياء والفيزياء والديناميكا الحرارية، الهاتف المحمول صُنع بواسطة قوانين فيزياء الاتصالات، مكيف الهواء، قرص الأسبرين، الساعة، الطائرة، كلها منتجات يعزو ابتكارها للعلم. لا ينكر فضل العلم على البشرية سوى الجاحد الجاهل.

■ وهل للعلماء دور فى نقل المعرفة العلمية للمجتمع؟

- بالطبع، ولكن للأسف لا يملك معظمنا القدرة على التواصل مع الجماهير، كما أن معظم وسائل الإعلام لن تجد مادة مثيرة فى الحديث عن الاكتشافات فى مجال العلوم الأساسية.

■ يهتم الجمهور فى الغالب بتطبيقات العلم عوضًا عن الأبحاث الأساسية.. ما تفسيرك لتلك الظاهرة؟

- طبيعية.. لماذا يجلس شخص من العامة للاستماع لمحاضرة مملة عن التراكيب الكيميائية للأدوية وأثر الإنزيمات على الوظائف المختلفة للجسم! الجمهور العام يريد معرفة الدواء المُعالج، وقشور من المعلومات حوله، ولا يهمه، وليس مطلوبًا منه الغرق فى التفاصيل العلمية. هذا مجرد رأى شخصى.

■ يومًا بعد يوم يكتشف العلماء منظومات جديدة وأدوات مستنيرة للتعامل مع كافة المشاكل التى تواجه البشر على حد السواء.. هل يُمكن للعل م الارتقاء بالفكر البشرى لدرجة تُقنع الساسة مثلاً على منع الحروب الفتاكة ووقف تطوير الأسلحة القاتلة التى يستهلك إنتاجها الكثير والكثير من ميزانيات الدول الكبرى؟

- للأسف.. العلم سلاح ذو حدين، يجب أن تقع الاستنتاجات فى يد الأخيار لينتج الخير، لا أتوقع أن العلم بوصفه أداة يُمكن أن يسهم فى وقف الحروب فى المستقبل، عالمنا ملىء بأصحاب المصالح الراغبين فى استمرار الحروب بغض النظر عن الأرواح التى تذهب سدى.

تمويل الأبحاث العلمية

■ هل ترى تمويل البحث العلمى كافيًا؟

- ومنذ متى كانت الأموال كافية؟! البحث العلمى يحتاج تمويلات ضخمة، عمومًا؛ يعتمد ذلك على الدولة التى تعيش فيها، ففى الولايات المتحدة مثلاً التمويل غير كافٍ على الإطلاق، وأتوقع أن تحدث أزمة فى المستقبل القريب بسبب التمويل وربما تتخلف الولايات المتحدة عن الركب العلمى أو على أقل تقدير ستحتل دولاً أخرى مكانها الرائد، الصين على سبيل المثال تمول البحث العلمى الأساسى بشكل أكبر من الولايات المتحدة، اليابان تمول التطبيقات العلمية، الهند دولة على الطريق.

■ وماذا عن التمويل فى المنطقة العربية؟

- لا أعلم شيئا عن مصادر التمويل فى المنطقة العربية، ولكنى أعلم أن المنطقة تستورد معظم احتياجاتها، ولا تنتج أبحاثا كافية للنشر فى الدوريات العلمية الشهيرة، وبالتالى أستنتج أن التمويل غير كافٍ على الإطلاق، مجرد استنتاج لا يعتمد بأى شكل من الأشكال على دليل أو مصدر.

■ تعيش فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود، تدفع الضرائب على ما أعتقد بانتظام، أين تذهب أموال دافعى الضرائب؟

- إلى جيوب الساسة. معظمها تمول طموحات السياسيين، ومعظم السياسيين يجهلون أهمية العلوم.

■ لكن، بصفتك حائزا على نوبل يمكنك التواصل مع الساسة للحصول على تمويل.. أليس كذلك؟

- بالطبع يمكننى التواصل معهم، يسمعون ويعطون الوعود ولا ينفذون.

■ هل أثرت الإدارة الحالية فى الولايات المتحدة الأمريكية على مسار دعم العلم على المستوى المالى؟

- بالطبع.. لك أن تتخيل أن ترامب ينكر التغييرات المناخية! هل تتوقع من شخص كهذا أن يمول بحثًا يستهدف كشف الأسباب الجينية وراء مرض باركنسون على سبيل المثال! بالطبع لا.

ترامب رجل أعمال. يعطيك دولارً ويطلب منك منتجًا ربحيًا، وهذه ليست الطريقة المُثلى للتعامل مع العلوم الأساسية على الأقل.

■ بمَ تنصح الباحثين من الشباب؟

- اذهب وراء حلمك.. لا تستمع لأصوات الرفض الخارجية.. ابذل قصارى جهدك للوصول إلى هدفك. تعلم جيدًا، ولا تضيع الفرص. اعمل مع فرق علمية متميزة، تمتع بروح الفريق، تكلم قليلا، واعمل كثيرًا.

■ هل أسديت تلك النصائح لنفسك إبان فترة شبابك؟

- بكل تأكيد.. مشرفى الدكتور إرنست كيندر فى جامعة ميونيخ لم يكن مؤمنًا بفرضيتى، غير أننى واصلت البحث حتى تحققت.

■ وماذا تقول لشباب الباحثين من المنطقة العربية؟

- ابحثوا عن الأمل فى بلدان بعيدة عن الوطن، ثم عودوا لأوطانكم لنشر الآمال التى عثرتم عليها.

■ هل ترى إمكانية منافسة علماء من العرب على جوائز نوبل فى المستقبل؟

- بالطبع.. ولمَ لا، المجال مفتوح للجميع.

وأعتقد أن الجائزة لا تمنح بناء على جنس أو لون أو نوع أو أى تقسيم، فقط عن حجم المنجز العلمى.

على الباحث أن يعمل بجد.

وعلى الدول إيجاد مصادر لتمويل البحث العلمى بشكل مستمر. وعلى القادة السياسيين أن يفهموا أن العلم لم يكن فى يوم من الأيام مجرد رفاهية.

الجائزة لا تمنح لشخص بقدر ما تمنح لمنظومة ناجحة، أضلاعها الثلاثة:

التفوق العلمى، والتمويل المستمر، والإدارة الناجحة.

نشكركم متابعين وزوار بوابة ميدان الأخبار على الثقة والتواجد، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل ( يواكيم فرانك الفائز بـ«نوبل للكيمياء»: انتظروا ثورة في علاج السرطان (حوار) ), والمصدر هو المسئول عن ما ورد بالخبر.
المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق