الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (1)

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (1) من موقع مصرس، بتاريخ اليوم الأربعاء 1 أغسطس 2018 .

الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (1)


«فى تاريخ المجاعات الرهيب فى العالم، لم تقع أى مجاعة ضخمة فى أى بلد مستقل، او ديمقراطي، به صحافة حرة نسبيا، ولا يوجد أى استثناء من هذه القاعدة بغض النظر عن المكان الذى ننظر اليه», بهذه العبارة البليغة لخص المفكر الاقتصادى الشهير والحائز على جائزة نوبل امارتيا سن، أهمية وضرورة حرية الصحافة والاعلام فى أحداث العملية التنموية بالبلاد، وذلك انطلاقا من الايمان الكامل بأهمية الدور الذى يلعبه الاعلام والصحافة فى المجتمع، كإحدى الدعامات الأساسية للديمقراطية والشفافية، وهو ما يتطلب العمل على توفير جميع الضمانات والإمكانات التى تساعد على أداء الممارسة الإعلامية والصحفية بحرية تامة دون أى ضغوط او قيود تشريعية او سياسية او اقتصادية ومالية، يمكن ان تؤثر على حرية الكلمة والاعلام. ويساعدها على لعب دورها الأساسى المنوطة به خاصة فيما يتعلق بإنارة الرأى العام والمجتمع وتوعيتهما بجميع الحقائق وتعقب الانحرافات، لكى تصبح وبحق نبضا صادقا للمجتمع. ونافذة لأطلال المواطنين على الحقائق التى لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلا لتعميق المعلومات التى لا يجوز طمسها او تلوينها، وذلك مع التزامها التام بمعايير وأصول المهنة وأخلاقياتها. وحماية حق المواطن فى التمتع بإعلام وصحافة نزيهين وعلى قدر رفيع من المهنية، وفق معايير الجودة الدولية واحترام حقوق الملكية الفكرية والأدبية، وبما يتوافق مع الهوية الثقافية المصرية، جنبا الى جنب مع ضمان التزامها بقيم الممارسات الديمقراطية السليمة، والعمل على وصول الخدمات الصحفية والإعلامية إلى جميع مناطق الجمهورية بشكل عادل. كل هذه الأمور وغيرها يؤكد أهمية وضرورة وضع الضمانات التى تؤهل المؤسسات الصحفية للقيام بدورها، مع ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام فى إطار من المُنافسة الحرة، وضمان استقلاليتها، وحيادها، وتعددها، وتنوعها.
من هذا المنطلق فان الحكم على مدى سلامة الأوضاع المالية والاقتصادية للمؤسسات الصحفية القومية ينبغى ان يأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذه الأدوار ومساهمتها فى زيادة الوعى العام بالمجتمع. وهذا لا ينفى بالطبع اهمية ان يتم ذلك بأعلى درجة من الكفاءة الاقتصادية والمالية. وهو ما ذهب اليه الدستور المصرى فى مادته رقم 212 والتى أشارت الى ان دور الهيئة الوطنية للصحافة يجب ان يقوم على ادارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وتطويرها وتنمية اصولها وضمان تحديثها واستقلالها وحيادها، والتزامها بأداء مهنى وادارى واقتصادى رشيد.
وبعبارة اخرى فان تطوير الصحافة وحريتها يبدآن اساسا من إصلاح أوضاعها المالية والاقتصادية فالإدارة الرشيدة لاقتصاديات الصحف تعد العنصر الحاسم فى هذه المسألة. فحسن ادارة الاصول المملوكة للمؤسسات الصحفية، وضمان حد أدنى من التوازن المالى والاقتصادى لها، وتعظيم قدرتها على التمويل الذاتى للنشاط تعد من الامور الاساسية التى يجب العمل عليها وتنميتها بالدرجة التى تحول دون ممارسة أى ضغوط مالية او اقتصادية، من هذا الطرف او ذاك.
تواجه المؤسسات الصحفية القومية العديد من المشكلات المادية والادارية وتعانى من مشكلة سيولة طاحنة تتمثل فى عدم قدرتها على سداد الالتزامات قصيرة الاجل وعلى رأسها الأجور، حيث أصبح معظمها يعجز عن توفير الاجور الشهرية للعاملين بها، مع العلم بان هذه المؤسسات يعمل بها نحو30 ألفا (ما بين صحفى وادارى وعامل) او شراء المستلزمات السلعية والخدمية. ومن اهم المؤشرات الدالة على سوء الأوضاع الاقتصادية ارتفاع حجم المديونية المستحقة عليها للجهات المختلفة فى الدولة، لتصل الى 17.6 مليار جنيه وقد أصبح رأس المال العامل لديها جميعا بالسالب بسبب زيادة الالتزامات المتداولة بمعدلات تزيد عن نسب الزيادة فى الاصول المتداولة، وخطورة هذا المؤشر تكمن فى دلالته حيث يشير الى عدم قدرتها على سداد الالتزامات قصيرة الأجل من موارد النشاط، ويرتبط بما سبق ضعف الإيرادات المتحصلة من النشاط، الجارى للمؤسسات وعدم تناسبها مع المصروفات، خاصة مع تراجع إيرادات الإعلانات بشدة خلال الفترة الماضية، كما تشير البيانات المالية لهذه المؤسسات الى انخفاض الوزن النسبى لرأس المال الى اجمالى تمويل الاستثمارات، وبالتالى تزايد الاعتماد على القروض، فضلا عن تآكل حقوق الملكية نتيجة للزيادة المستمرة فى الخسائر المرحلة عاما بعد آخر.
وجدير بالذكر ان هذه الاوضاع ادت الى تزايد الاعتماد على الخزانة العامة للدولة بصورة كبيرة، حيث قامت بدفع نحو 1196.6 مليون جنيه خلال العام المالى 2017/2018 ونحو 1204 ملايين خلال العام المالى 2016/2017 فيما يعد اضعاف المبالغ التى كانت تدفع من قبل والتى تراوحت بين 392 مليونا عام 2013/2014 و232 مليونا فى العام الذى سبقه. مع ملاحظة ان بدل التدريب والتكنولوجيا لا يمثل الا نحو 237.5 مليون جنيه عام 2017/2018 بينما وصلت الإعانات غير المتكررة الى 880 مليونا مقابل نحو 15 مليونا عام 2012/2013 كما حصلت بعض هذه المؤسسات على قروض حسنة.
وتدلنا المؤشرات السابقة وغيرها على ان المؤسسات الصحفية قد وصلت الى مرحلة الأزمة بالمعنى الذى أشار اليه أنطونيو جرامشي, عندما يموت القديم، ويتردد الجديد فى إبصار النور, وبعبارة اخرى فان النظام القديم قد انهار تماما، وللأسف فان النظام الجديد لم ير النور حتى الآن، الامر الذى يتطلب التدخل السريع والحاسم للقضاء على جميع هذه المشكلات. ومع تسليمنا الكامل بان بعضها حديث نتيجة للتغييرات الجارية على الساحة الاقتصادية حاليا، سواء تعلق ذلك بالتغييرات فى سعر صرف الجنيه المصرى وما نجم عنه من ارتفاعات كبيرة فى تكاليف الإنتاج ومستلزماته ناهيك عن القرارات السيادية الخاصة برفع الاجور والرواتب.
ويعد أحد الأسباب الأساسية فى رأينا هو ضعف، بل وغياب المتابعة الدقيقة والفعلية للأداء المالى لهذه المؤسسات، كنتيجة اساسية لغياب المالك القانونى لهذه الأموال عن الساحة وتغاضيه عن ممارسة حقه القانونى والطبيعى فى الرقابة على هذه الاموال، خاصة أنها مؤسسات مملوكة للدولة ملكية خاصة، ولا تدخل فى عداد الوحدات الحكومية او الشركات العامة الخاضعة للقانون 85 لسنة 1983 والذى حدد هذه الجهات على سبيل الحصر، ولم يكن من ضمنها المؤسسات الصحفية العامة، وهى مسألة جوهرية تحتاج الى حسم واضح. وهنا يصبح التساؤل هو كيف تعاملت قوانين الاعلام التى وافق عليها البرلمان أخيرا مع هذه المشكلة؟ وهو ما سنتناوله فى المقال القادم بإذن الله.
لمزيد من مقالات ◀ عبدالفتاح الجبالى

نشكركم متابعين وزوار بوابة ميدان الأخبار على الثقة والتواجد، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل ( الحوكمة وأوضاع المؤسسات الصحفية القومية (1) ), والمصدر هو المسئول عن ما ورد بالخبر.
المصدر : مصرس

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق