بقلم عمار محمد آدم: الانحراف التدريجي لحركة الإخوان المسلمين في السودان

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
بقلم عمار محمد آدم: الانحراف التدريجي لحركة الإخوان المسلمين في السودان من موقع النيلين، بتاريخ اليوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 .

حين يسلك القطار درباً في غير الاتجاه المستقيم الذي يسير فيه، فإنه يفعل ذلك بشكل تدريجي للغاية وفي شكل دائري، والذين هم في داخل القطار لا يشعرون بتحول القطار عن مساره، فالقضبان تأخذ شكل الانحناء التدريجي حتى عند مفترق الطرق فإن الراكبين في القطار لا يحسون ذلك التحول، إذن فمتى وكيف بدأ الانحراف التدريجي لحركة الإخوان المسلمين في السودان بمسمياتها المختلفة عن مسارها، يمكن تحديده بمنتصف سبعينيات القرن المنصرم حين جعلت السلطة هدفاً لها، وكانت من قبل جماعة دعوية هي امتداد لحركة الإخوان المسلمين في مصر وشيخها حسن البنا، الذي قد جاء بأفكار بسيطة وغاية في السطحية ولا تعدو أن تكون مجرد شعارات وهتافات لا تجد لها طريقاً في أرض الواقع، مما يجعل الجماعة في مجملها حركة خيالية موغلة في المثالية في أكثر من واقع معقد ومتعدد، ولربما بائس وكئيب.
كان يجتمع كل خمسة منهم في أقل وحدة تنظيمية واسمها “الأسرة”، على رأسها “أمير” ثم المسؤول الثقافي ومسؤول نشر الدعوة ومسؤول الثقافة والمالي ولربما مسؤول اجتماعي، وكانت “الأسرة” وحدة تربوية تُعنى بالتعارف والتلاوة وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، والحرص على حضور الصلاة في جماعة خاصة صلاة الفجر، ولم يكن للسياسة وجود إلا بالنذر اليسير حتى إذا ما جعلت الجماعة الوصول إلى السلطة هدفاً لها تغيرت مهام “الأسرة” من وحدة تربوية إلى وحدة إدارية، وأضيف لها عنصرا جديدا هو ما عُرف بمسؤول “الأمن والمعلومات”، لم يلفظ جسم “الأسرة” القادم الجديد وإن كانت قد تغيرت كيمياؤه وتدريجياً تحولت الأسرة إلى مؤسسة أمنية كاملة تعنى بجمع المعلومات وفحصها وتحليلها، حتى إذا ما جاءت المصالحة الوطنية وجعلت لهم غطاءً سياسياً تمددوا أمنياً وتنظيمياً وانصرفوا تماماً عن قضيتهم التي كانوا قد اجتمعوا لأجلها.
أما من حيث الفكرة، فقد تسربت من بين أيديهم رسائل الشيخ حسن البنا، فهي سرعان ما تذوب وتتلاشى ولا تترك لها أثراً مثل “حلاوة القطن”، فهي لا تروي ظمأ المتعطشين إلى المعرفة والإدراك الكامل للوجود والحياة وتحولات المصير والتاريخ. أما كتب سيد قطب فهي تخيلات شاعر وتهيؤات أديب عبقري وكاتب لا يشق له غبار، ولكنه لا يحمل رؤية ومنهجاً مع اعتبارات الإقامة الطويلة في السجون والمعتقلات وأسباب نفسية واجتماعية، كذلك فإن عامل الزمان والمكان يلقي بظلاله على الفكرة ـــــ إن وجدت ـــــ ومن هنا فإننا نعتبر فكر الإخوان المسلمين فكراً سطحياً وعاطفياً وغير عميق وليس بالمتكامل، إلا أن الإسلام دين عظيم وعظيم جداً، وليس من حق أي بشر احتكار دين له واستخدامه لأغراض سياسية أو مصلحة شخصية كما يفعل الكثيرون.
درجت بعض الجماعات الدينية ومنهم جماعة الإخوان المسلمين، على وصم من يخالفونهم الرأي في مفاهيم التنزيل ودلالات النصوص بالكفر في أقصى الدرجات، وما دون ذلك من نعوت وأوصاف هي في حقيقتها ليست بالصحيحة ويجانبها الصواب، ذلك لأن الرأي والفهم للأشياء ليس أمراً مستقراً، فإن الكثير من المفاهيم تتعثر وتتطور والإنسان لا يتوقف طول عمره لدى نقطة واحدة يقف عندها ولا يتزحزح قيد أنملة، وإنما الحياة رحلة بحث دائمة ومستمرة عن الحقيقة في ثوبها القشيب، وما الخطأ والصواب إلا أمر نسبي يتغير بمتغيرات الزمان والمكان، إلا أن الحلال والحرام هو أمر رباني قد لا نستطيع فهم غاياته وأبعاده ومراميه.
وعود على بدء، والانحراف التدريجي لحركة الإخوان المسلمين في سيرها نحو غاية هي “الله غايتنا”، فالله تعالى وبالضرورة طوعاً أو كرهاً غاية كل إنسان ومطلق الإنسان “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه”، فكل متجه إلى مطلق الحقيقة هو سائر إلى الله رضي أم أبى، لأن الله هو الحق المطلق، وهو الحي المطلق، وهو القوة المطلقة، وهو الجمال المطلق، فالله ليس غاية الإخوان المسلمين فقط ولكنه غاية كل البشر، وهم الفقراء إلى الله. أما “الرسول قدوتنا” فإن كان لله المثل الأعلى في أسمائه الحسنى، فإن الرسول عليه أفضل الصلوات والتسليم هو تنزل ذلك الكمال على المستوى، وجميعنا نسعى لتحقيقه وأنى لنا ذلك.
أما عبارة “الجهاد سبيلنا” وهنا تختص العبادة معنى العمل المسلح، ولا تجعل لفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيلاً، فالأصل في الدين هو الحسنى والحكمة، وهو التعامل الرفيق والرقيق والموضوعي مع الأشياء. أما أن يتخذ الجهاد معنى العنف، فذلك عند الضرورة والضرورة القصوى، وهو لحماية الحق والحفاظ عليه وهو ليس غاية في أصله إلا بقدر ما يحقق حماية الحق، والأصل هو الرحمة والإحسان ومعاني لطيفة ورفيقة بالإنسان تحقق معنى الحياة “إذا دعاكم لما يحييكم”، فالحياة جميلة ورائعة وقد أورثنا الله الأرض، فقد صرنا “خلفاً” “لسلف” فمن المنطقي أن نكون غيرهم، فالجهاد كلمة كبيرة تتجاوز معنى استخدام العنف الذي قد يكون ضرورة أحياناً إلى معاني كبيرة في النفس وفي الواقع.
“الله غايتنا.. الرسول قدوتنا.. الجهاد سبيلنا.. الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، هذا هو الشعار الرئيسي للإخوان المسلمين في السودان وفي حماس، وفي كل أصقاع الدنيا، وقد صار أشبه بالنص المقدس من كثرة تكراره، نعم إذا جاء الموت فليكن شهادة في سبيل الله (وفي سبيل الله) هذه لا تقتصر فقط على العمل المسلح، فمن سعى من أجل والديه فهو في سبيل الله، ومن سعى من أجل أبنائه فهو في سبيل الله وهلمجرا، وبذلك قال النبي محمد عليه أفضل الصلوات والتسليم فلماذا يضيقون واسعاً.
الإسلاميون الآن حيرى وقد تقطعت بهم السبل وانكشف عنهم الغطاء، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، والخير لهم أن يرجع كل منهم من حيث أتى، حين يكتشفون حقيقة أمرهم ومقاديرهم الحقيقية، وقد عاشوا زماناً في التهيؤات المثالية وفي محك السلطة والمال والزواج، اكتشفوا حقيقة بعضهم وأدركوا الحقيقة كما الشمس في رابعة النهار، فلماذا إذن يكابرون وقد انفض سامرهم وفرقتهم الأهواء وباعدت بينهم المصالح، فماذا ينتظرون وإلى متى؟.
بقلم عمار محمد آدم

نشكركم متابعين وزوار بوابة ميدان الأخبار على الثقة والتواجد، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل ( بقلم عمار محمد آدم: الانحراف التدريجي لحركة الإخوان المسلمين في السودان ), والمصدر هو المسئول عن ما ورد بالخبر.
المصدر : النيلين

إخترنا لك

0 تعليق